محمد عزة دروزة

184

التفسير الحديث

الأولى قد تكون أكثر انسجاما مع فحوى الآية مع القول أن الآية منسجمة مع حلقة السلسلة انسجاما تاما . فإذا كان لهذه الرواية أصل فيكون أنهم قالوا ما قالوه قبل نزول الحلقة فرد اللَّه عليهم قولهم في سياق آيات الحلقة . وعلى كل حال فروح الآيات وفحواها يفيد أن اليهود كانوا يتبجحون بالعلم والمعرفة والحظوة عند اللَّه وأن بعض المسلمين كانوا ينخدعون بذلك فيسألونهم عن أمور متنوعة فكانوا يجيبونهم بإجابات ينسبونها إلى كتب اللَّه كذبا وتضليلا فاقتضت حكمة اللَّه تنبيه المسلمين إلى ذلك . وهناك حديث يرويه البخاري عن أبي هريرة جاء فيه : « كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية لأهل الإسلام فقال رسول اللَّه لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنّا باللَّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربّهم » ( 1 ) . حيث ينطوي في الحديث تنبيه نبوي أيضا مع التنبيه على أن المتبادر من النهي في الحديث أنه لما لا يكون صدقه وكذبه معلوما علما يقينيا من السائل والمستمع . وأنه ليس فيه ما يمنع المسلم من التكذيب والتصديق إذا كان على علم يقيني بذلك واللَّه أعلم . ومن المؤسف أن كثيرين من مفسري المسلمين برغم هذه التنبيهات دونوا كثيرا مما كان اليهود أو مسلمتهم يحدثون به من أحاديث فيها ما لا يصح أن يخفى عليهم من كذب وتناقض وغلوّ ومفارقات فكان من ذلك ما امتلأت به كتبهم مما عرف بالإسرائيليات التي شوشت أذهان المسلمين وما تزال تشوشها . استطراد إلى بيان أسباب تنكر اليهود للدعوة الإسلامية ومناوأتها وما ردده القرآن من فقد الأمل بإيمانهم بها لقد قلنا إن اليهود قد أسفروا عن وجوههم ووقفوا نهائيا موقف الجحود للدعوة الإسلامية ومناوأتها على ما تلهمه هذه الحلقة بل السلسلة باستثناء أفراد منهم

--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 43 .